على الرمال


تقودني دائما قدماي إلى البحر كلما شعرت بخيبة أمل، فهو قبلتي الأولى التي أتحرّك في اتِّجاهها وأعيش في رحابها لساعات طويلة وحدي . حيث انّنى اشعر هناك بتفاؤل غامض، ويرحل الهمّ الذّي بين جوانحي .. فهناك فقط أشعر أن الحزن المقيم بعيناى يغادرها .. هناك فقط اشعر اننى امتطى جواد الحلم على شاطئه .. وفوق رماله... أشعر وكأنّني فارس يتقلد سيفا يهزم به الأحزان.. فأشرعتي دائما مستعدة للإبحار، داخل أمواجه العالية والمتقلِّبة، والتي مهما علت أو هاجت وماجت، فهي أحنّ من قلوب بعض البشر

هناك أُلقي بجسدي المرهق على الرّمال، فتعتريني لحظات أمان ويتسلّل إليه شعورا بالدِّفء وتمتدّ عيني لتسبّح في اتجاه البحر، فأشعر وكأنّني جزء من كلّ॥ أنا والبحر والشّمس والسّماء والرمّال.. جغرافيا جديدة انقشها على الرّمال ،أعيد فيها اكتشاف نفسي كما تكتشف القارّات الجديدة.. لحظات نادرة أتنسم فيها عبير البحر المعطرّ برائحة الخمر المسكرة.. ويصلني هدير البحر وأمواجه التي تحنو رؤوسها وتندفع بهياج إلى الشاطئ والزبد الأبيض، الذي يتطوح في كل مكان، والقناديل التي تطفو فوق سطح البحر، وطائر النورس، الذي يخفق بجناحيه ،وكأنّه قلبي يخفق شوقا للحبيب والمحارات، التي طالما رافقت خطاي على حوافّ الشاطئ .. هذه الأشياء التي أهيم بها وأحب أن أعيش في صحبتها وتتلون بها خوالجى .. هذا الموقع وهذه الأشياء التي لا تتأثر بالنسبة لي بتقلب الفصول، فهي تشبه حبيبتي، وأنا دائما أبحر إليها وأسكن أعماق أعماقها، ولا اعرف من منا يسكن الآخر.. أنا من اسكن مياهها وأمتلك رمالها أم هي التي تسكن حدود قلبي وتحتلني مهما كان هناك مد أو جزر

هناك تعوّدت أن أرقب الشّمس، ذلك القرص الأرجواني بضوئه الأخّاذ، وهو يتهادى ليختبئ في حضن البحر اللامتناهى، عاكسا عليه ضوء مخمليا أبيضَ وديعا، يمثّل لي أعلى سماء يبلغها التعبير الفني والجمالي، يجعلني أُمسِكُ دفتري وقلمي لأسجل فيه خواطري، ولكنّني دائما أفشل عن إبداع نظم، يضاهى عظمه هذه الروائع، أو يقترب منها، فأمزق ما كتبت وأعود متسكعا شاردا، أحاول أن اعرف لغة البحر، أو أُفْضِى له بأسراري إليه، أو اعرف أسراره .. أحاول أن أعرف أسباب ثورته وتمرده .. أحاول فكّ طلاسم غموضه .. أحاول أن أقف على أسباب غدره وتقلبه .. فهو يفجِّر داخلي حوارا عميقا، يجعل قلبي يدب فيه الحياة من جديد وتمتليء بالأماني، وقدر كبير من الأمل، وفيض لا مثيل له من الطُّهر والعفاف، ذلك إن صفاءه يجعلني أتعلّم منه ما يُضْفِى على حياتي ثراء وتوهج وتوقد، فيخفق قلبي بطرب، وتهاجر عيني لمواسم الفرح المستديم .. وأغادر البحر وأترك ورائي آثار أقدامى وحروفي المتناثرة باسم حبيبي، محفورة على الرمال، على أمل عودتي مرّةً أخرى لأغسل شجوني وأحزاني بمياه البحر، ولأكتب اسم حبيبتي على رماله مرّة أخرى

  • Digg
  • Del.icio.us
  • StumbleUpon
  • Reddit
  • Twitter
  • RSS

4 Response to "على الرمال"

  1. عبير حمدي says:
    31 أكتوبر، 2010 11:59 م

    مقال رائع يارب مزيد من الابداع و التألق

  2. عبير حمدي says:
    1 نوفمبر، 2010 12:00 ص

    مقال رائع اتمني لك التوفيق و مزيدا من الابداع و التألق

  3. كلمات من نور says:
    2 نوفمبر، 2010 6:52 م

    جميل ما كتبت يا بورسعيدي

    محظوظين أهل السواحل بالبحر دوما ...الحمدلله نعمة

  4. عندما انتهيت من صنع سفينتى..جف البحر says:
    8 ديسمبر، 2010 2:07 م

    أنا والبحر والشّمس والسّماء والرمّال.. جغرافيا جديدة انقشها على الرّمال ،أعيد فيها اكتشاف نفسي كما تكتشف القارّات الجديدة..
    ايه الاحساس الرائع دا .. وعاوزة احسدك انك عارف دواك فين عند البحر .. كنت اتمنى يكون انا كمان ليا براحى الى اقدر ارمى فيه شجونى ووجعى سلم يداك